الجاحظ
303
الحيوان
موجودة غير عاملة لكانت المعرفة كعدمها ، وفي القول والعمل ما أوجب النّباهة ، وأدنى حالاته أن تخرجه من حدّ الخمول ، ومتى أخرجته من حدّ الخمول فقد صار معرّضا لمن يقدر على سلبه . وكما أنّ المعرفة لا بدّ لها من عمل ، ولا بدّ للعمل من أن يكون قولا أو فعلا ، والقول لا يكون قولا إلّا وهناك مقول له ، والفعل لا يكون فعلا إلّا وهناك مفعول له ، وفي ذلك ما أخرج من الخمول وعرف به الفاعل . وإذا كانت المعرفة هذا عملها في التنبيه على نفسها ، فالمال الكثير أحقّ بأنّ عمله الدّلالة على مكانه ، والسّعاية على أهله . والمال أحقّ بالنميمة ، وأولى بالشكر ، وأخدع لصاحبه ، بل يكون له أشدّ قهرا ، ولحيّه أشدّ فسادا . وإن كانت معرفته ناقصة فبقدر نقصانها يجهل مواضع اللذة . وإن كانت تامّة فبقدر تمامها ينفى الخمول ويجلب الذّكر . وبعد فليس يفهم فضيلة السلامة . وحقائق رشد العافية ، الذين ليس لهم من المعرفة إلّا الشّدو « 1 » ، وإلّا خلاق « 2 » أوساط الناس . ومتى كان ذلك كذلك ، لم يعرف المدخل الذي من أجله يكره ذو المال الشّهرة . ومن عرف ذلك على حقّه وصدقه ، لم يدعه فهمه لذلك حتّى يدلّ على فهمه . وعلى أنّه لا يفهم هذا الموضع حتّى يفهم كلّ ما كان في طبقته من العلم . وفي أقلّ من ذلك ما يبين به حاله من حال الخامل . وشروط الأمانيّ غير شروط جواز الأفعال وإمكان الأمور . وليس شيء ألذّ ولا أسرّ من عزّ الأمر والنهي ، ومن الظّفر بالأعداء ، ومن عقد المنن في أعناق الرجال ، والسّرور بالرّياسة وبثمرة السيادة ، لأنّ هذه الأمور هي نصيب الرّوح ، وحظّ الذهن ، وقسم النّفس « 3 » . فأمّا المطعم والمشرب والمنكح والمشمّة ، وكلّ ما كان من نصيب الحواسّ ، فقد علمنا أن كلّ ما كان أشدّ نهما وأرغب ، كان أتمّ لوجدانه الطعم . وذلك قياس على مواقع الطّعم من الجائع ، والشراب من العطشان . ولكنّا إذا ميّلنا بين الفضيلة التي مع السّرور ، وبين لذّة الطعام ، وما يحدث الشّره له من ألم السهر والالتهاب والقلق وشدّة الكلب ، رأينا أنّ صاحبه مفضول غير فاضل . هذا مع ما يسبّ به ، ومع حمله له على القبيح ، وعلى أنّ نعمته متى زالت لم
--> ( 1 ) الشدو : القليل من كل شيء . ( 2 ) الخلاق : النصيب . ( 3 ) القسم : الحصة والنصيب .